Monday, December 7, 2009

متحف العذاب..




أنا الآن في شارع ضيق تكاد تخنقني العبرات.. خرجت لتوّي من متحف التعذيب

نعم.. متحف التعذيب

Galleria de la tortoura

متحف يعرض فيه لمحات من جنون الإنسانية حين تقتل نفسها.. أجهزة لشق الصدور.. وقطع الأعضاء.. وإسالة الدماء.. وتكسير العظام.. والصلب .. والشلل..

أمر لا يصدقه حقا إلا من رآه..

كيف يهنأ إنسان فعل هذا بإنسان آخر؟ كيف يخلد إلي نوم؟ كيف يصمت ضمير شاهد مثل هذا التعذيب..

ويلٌ للرجال الذين معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس..

هذا المتحف أثار في نفسي دموع علي هذه الإنسانية التي جنّت حتي راحت تبحث عن سعادتها بالإنتحار..

ثم أثارت في نفسي معني آخر..
إن هذه الآلات البشعة إنما صنعت لتعذيب أجدادنا من الموريسكيين من مسلمي الأندلس.. والذين آثروا البقاء فيها بعد سقوط غرناطة.. آخر معاقل المسلمين في هذا البلد..

سُلّمت مفاتيح غرناطة عام 1492 .. وتم طرد الموريسكيين نهائيا من الأندلس عام 1602

وطوال ما يزيد عن مائة عام وقع المسلمون الموريسكسيون تحت طائلة أنواع من العذاب الدامي للرجال و النساء و الأطفال و الشيوخ.. وقتلوا قتلا بطيئا عمره مائة عام.. فما ضعف أكثرهم و لا استكان.. و ظلوا يثورون ويصبرون ..

هل أصبر أنا إن كنت نكانهم.. دع عنك أحلام الجهاد الوردي.. وتمني الشهادة في جلسات المساجد المكيفة.. وتعال وأخبرني.. هل يمكن أن تصبر علي مثل هذا التعذيب أو بعضه..

وكان أن أجبت نفسي: إني لم أصبر علي مشاهدة آلات التعذيب في متحف بإسبانيا.. فكيف أظن أني يمكن أن أصبر علي مبدأ آمنت به عندما يفعل مثل ذلك بي وبأهل بيتي..

نحن أهل الضعف والوهن..

اللهم الطف بنا يا لطيف.. ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به..

الأطلال..



أنا الآن في أجمل جبل في الدنيا.. ذلك الجبل الذي تسكن فوقه مدينة الزهراء.. أو ما تبقي منها..

بكي شعرائنا كثيرا علي الأطلال..

فقال امرؤ القيس:

قفا نبك من ذكري حبيبٍ ومنزلِ
بسقط اللوي بين الدَخول فحومل

وقال طرفة بن العبد:

لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وقوفا بها صحبي عليّ مطيهم
يقولون لا تهلك أسى وتجلدِ

وقال النابغة الذبياني:

يا دارَ مَيّة َ بالعَليْاءِ، فالسَّنَدِ،
أقْوَتْ، وطالَ عليها سالفُ الأبَدِ
وقفتُ فيها أُصَيلاناً أُسائِلُها،
عَيّتْ جواباً، وما بالرَّبعِ من أحدِ

وقال البوصيري:

لولا الهوي لم تُرق دمعا علي طلل
ولا أرقت لذكر البان و العلم..

وقد اشتهر البكاء علي الأطلال في مقدمات شعرنا العربي..

تذكرت هذا التراث وأنا أقف-لأول مرة في حياتي ربما – أبكي علي الأطلال..

زرت اليوم أطلال مدينة الزهراء في قرطبة..

من تلك المدينة خرج حكام ركبوا جياد المجد.. من هنا.. من مدينة الزهراء كانت تشرق الشمس علي الدنيا بأسرها..

كان هنا رجلٌ واحد يحكم شبه جزيرة أيبريا وحده.. وما دانت تلك الأرض الصعبة المِراس لأحد قبله ..و لا دانت لأحد بعده.. مثلما دانت إليه
هنا كان عبد الرحمن الناصر.. من أعظم حكام الأندلس .. يحكم هذي البلاد خمسين عاما يحل مشكلاتها و يبني مساجدها و يعمّر مدارسها و يشق أنهارها .. كان يشتري الكتب من كل أرض و يضيء بها مكتبات قرطبة..

وكأني به يخبّر بجيش من الشمال آتٍ لمحاربته..والكل من حوله في قلق واضطراب.. فإذا هو يلم شعثهم .. ويشحذ هممهم.. فينتصر

وكأني به وهو يوصي عامل لديه.. أن يقطع الفيافي إلي يغداد.. ليأتيه بكتاب أو كتابين لينسخهم في مكتبات قرطبة العامرة.. والتي بلغت في عهده في هذه المدينة الصغيرة سبعين مكتبة..

وكأني به تأتيه الوفود من أوروبا تلهث منه الرضا و الكف.. فيبتسم لهم .. ويحسن وفادهم.. ليريهم خلق الإسلام.. كما يريهم عز السلطان..

وكأني به يقسّم قرطبة إلي ثمانية وعشرين ضاحية.. ويجعل لها شرطة بالليل وشرطة بالنهار..ويضع نظاما لمراقبة التجار..ونظاما لجباية الأموال.. ونظاما للبريد.. ونظاما للري و توزيع المياه.. ونظاما للقضاء.. ونظاما للحسبة..

وكأني به يأتي بأبي علي القالي – الأديب الشهير صاحب كتاب الأمالي – ليأدب ابنه و يربيه.. ليشب ابنه علي العلم و الدين و التربية و الخلق..

لم تلن له قناة.. خمسين عاما ..يبني بيد.. ويقاوم بأخري..

هنا .. في مدينة الزهراء.. عاش سيد أوروبا.. يزع الله به بالسلطان ما لا يزع بالقرآن
..
ولكن.. راح عبد الرحمن.. وبقيت الأطلال تحكي لنا بعض حكايته..

ولهذا فإن أثر الأطلال في النفس عجيب.. فهي تعلمنا أن كل شيء إلي زوال... وأن المجد مهما علا و ارتفع فإن مصيره –كأي شيء في هذه الدنيا – إلي الفناء..
فما من عز بلغ مثلما بلغ عز عبد الرحمن الناصر.. ثم صار ما بناه أثرا بعد عين..

وما من شعور تملك من القلب مثل الحب.. ولكن دائما ما ترحل الحبيبة.. ويبقي الأطلال..

ودائما ما تنبت الأشجار أوراقا تكون نضرة خضرة.. ثم تسقط.. وتذروها الرياح.. وتبقي الأطلال

ودائما ما نلقي أناسا فنحبهم... ثم يعمل فينا وفيهم عمل الزمان.. فيضحي التنائي بديلا عن
التداني.. والتجافي بديلا عن طيب اللقاء.. ويبقي لنا منهم صور وذكريات و حكايات.. و أطلال..

"أحبب من شئت فإنك مفارقه".. صدقت يا رسول الله..

كم من ملك عاش ومات .. و كم من جبار ظلم و طغي.. وكم من إمام عادل .. وكم من دولة قامة.. وكم من حصن بني.. ودار أنشأت.. وكتاب سُطّر.. وحبيبين اجتمعا.. كل شيء ذهب..ولم تبقي إلا الأطلال..

يا ساده.. إن الأطلال شاهد حي فصيح.. يعلمنا أن لكل شيء نهاية.. حتي الأطلال التي تبلغنا هذا البلاغ ما تلبث هي الأخري أن تدور عليها عجلة الزمان .. فلا يبقي لها أطلالا..


كل شيء إلا زوال.. أندلسا و غير أندلس..

Sunday, December 6, 2009

المرء قليل بنفسه..



أنا الآن في أحد المطاعم في مشارف قرطبة أنتظر الطعام..

رحمك الله يا بن الخطاب..

هكذا وردت قصته في الأثر:

عندما سأل عمر عن رجل فقام رجل آخر وشهد له بالخير.. فسأله عمر: هل أنت جاره الذي يعرف مخرجه ومدخله؟ قال: لا, قال: فهل صاحبته في السفر الذي يعرف به أخلاق المرء؟ قال: لا, قال: فهل عاملته بالدرهم والدينار لتعلم حرصه وأمانته؟ قال:لا, قال: فلعلك رأيته يرفع ويخفض في المسجد؟ قال: نعم, قال عمر: اذهب فإنك لم تعرفه!

لماذا ذكرت هذه القصة؟

أنا مسافر مع صديقين عزيزين ممن أشهد لهم بحسن التربية و دماثة الخلق.. وقد تبدّي مني في هذه الرحلة من رعونات النفس ما لم أكن أعلمه في نفسي.. من قطعٍ لحديث من يتحدث .. وسرعة في الغضب.. وجورٍ – عن غير قصدٍ ربما- علي حقوق الآخرين..

وهكذا النفس.. جِماع الشهوة و الغضب.. وأنا قد تركت لنفسي العنان فتمكّنت مني تلك الرعونة التي لم أكن لأكتشفها في نفسي لولا طول السفر مع هذه الصحبة..

فالمرء مرآة أخيه.. وهو قليل بنفسه كثير بإخوانه..

رحم اللهم سيدي الشافعي:
تغرب عن الأوطان في طلب العلا
وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرّج هم و اكتساب معيشة
وعلم و آداب وصحبة ماجد

وأنا والحمد لله قد رزقت صحبة الأماجد في هذه الرحلة..

إن الشركات الكبيرة تستعين بشركات أخري للإستشارات.. لتحسن من أدائها الإداري و الفني و المالي.. لأن شركة أخري تنظر من الخارج تري في هذه الشركة من العيوب و من المواهب و الفرص.. ما لا تراه هذه الشركة ذاتها..

ما أحوجنا إلي مثل هذا..

فالإنسان لا يعرف نفسه حتي يختلط بصاحب شريف مخلص.. يريه من نفسه ما لا يراه منها.. فيكون بذلك قد أعانه أيُما عون.. فقد أرشده إلي ما فيه صلاح دنياه و آخرته..

وأنا قد أنعم الله علي بمثل هذا الصديق..الذي هو مرآة لصديقه.. ولما أرشدني إلي بعض ما يصلح شأني.. أخذتني العزة بالإثم.. واتبعت هواي..

وأنا أتوب إلي الله من هذا و أستعين به علي نفسي.. وأسأله أن لا يحرمني هذه الصحبة التي تنير لي الطريق..

وأن لا يحرمني الأُنس بهم.. ولُطف مودتهم.. بسوء خلقي.. وقُرب غضبي..

تذكرت هذا الدرس وأنا في الأندلس.. وأنا أظن أن من أكثر ما أضعف المسلمين في هذا البلد هو تمكن شهوات النفس ورعوناتها من قلوبهم.. فتحاربوا بينهم عربا وبربر.. ودب النزاع بين ملوك الطوائف.. ولو كانوا خلعوا عن نفوسهم حظوظ النفس و لمة الشيطان.. ربما كان للأندلس مصير آخر..

اللهم وحد صفنا.. وطهر قلوبنا يا ذا الجلال

Saturday, December 5, 2009

اللهم صلي علي محمد..




أنا الآن في الفندق.. أجهز ما معي من الحقائب لأنطلق في الغد إلي قرطبة.. عاصمة الأندلس..

عندي خاطرة ..
ما من مسجد أو قصر من قصور المسلمين إلا و تجد الصلاة علي النبي الأكرم صلي الله عليه و سلم تملأه في كل مكان.. و قد لفت انتباهي هذا الأمر إلي بعذ الأشياء..

تجد المصريين إذا رأوا شيئا جميلا يقولون: "اللهم صلي علي النبي" .. وكأنهم إذ يرون الجمال في أي شيء يذكرون الجمال الأبهي و البدر التامّ محمد صلي الله عليه وسلم..
وتراهم إذا استعصي علي أحدهم أمر أو نسي شيئا يقول: :اللهم صلي عالنبي" .. وكأنه يستمطر الفتوحات الرحمانية عبر الوسيلة المحمدية.. فيسأل الله أن يفتح عليه من مثل ما فتح به علي خاتم أنبيائه.. محمد صلي الله عليه وسلم

وإذا سألت أحد منهم عن الطريق.. فقبل أن يشرع في وصفه لك ..تراه يقول: "طيب .. صلي عالنبي" .. وكأنه يذكّرك وأنت تسأل عن الوسيلة في الأرض .. ألا تنسي الوسيلة إلي السعادة الأبدية و إلي رضا الرحمن.. محمد صلي الله عليه وسلم

وكذلك.. اذا اشتد الأمر.. و عند لقاء العدو..تجدهم يجأرون بالصلاة علي النبي.. ومن ذلك أن الأمير عبد القادر الجزائري كان يكتب علي رايته في الجهاد بيت الإمام البوصيري الشهير: "ومن تكن برسول الله نصرته.. إن تلقه الأسد في آجامها تجم".. فما أن يستبد الخوف والفزع بهم.. حتي يحتموا بالركن الركين.. وبباب الأمان.. محمد صلي الله عليه وسلم

سرت في أشبيلية و كأني أسمع فيها بعد مئات السنين الصلاة علي النبي صلي الله عليه و سلم قد عطرت الشوارع و القصور و الأطلال

اللهم صلي علي محمد..

الجمال نوعان..

أنا الآن في اشبيلية.. أركب حافلتها المفتوحة السقف.. والتي تمر بك علي معالم المدينة الأساسية..
يا الله.. ما أحلي هذه المدينة.. وما أجمل قصرها العامر الذي بناه الموحدون في الأندلس..
أترككم مع بعض الصور .. ثم لي لفتة بعدها..










الجمال نوعان.. جمالٌ ظاهر و جمال باطن..
أما الظاهر فهو جمال الأشكال و الصور..و أما الباطن فهو جمال الحقائق و الماهيات.. وجمال الروح الباطن تحت الشيء..
الجمال الأول جمال ابهار.. و الثاني جمال اعتبار..
وكلا النوعين من الجمال موجودين في كل شيء يوصف بالجمال..

ففي النساء مثلا من وهبها الله حسن المنظر .. فهي جميلة تأسر بعينيها القلوب والألباب قبل أن تأسر النظر.. ومن النساء من لم يهبها الله جمالا ظاهرا..ولكن الله رزقها من حكمة العقل ورقّة الطبع وكمال الخلق و حسن العشرة ما يجعلها جميلة عند من لمس فيها هذا الجمال.. حتي لأنه يبلغ فرط جمال الباطن ما يجعل من يعرفها يجد فيها جمالا ظاهريا رائعا.. يتوهمه من فرط ما رأي من جمالها الذي لا يراه كل الناس..

وللأماكن كذلك نوعان من الجمال.. جمال ظاهر يراه الناس .. وجمال باطن يراه من ارتبطت نفسه بهذا المكان و جمعه به ذكريات تطيب بها نفسه.. وهل الجمال إلا ما تطيب به النفس.. فتجد البدوي يري في الصحراء القاحلة جمالا لا يراه غالب الناس.. لما لهذه الأرض من أثر و ذكري في نفسه.. فلربما احتقر جبال لبنان و قصور باريس إذا ما قارنها بتلك الصحراء.. لا لشيء إلا أن نفسه قد استبد بها جمال الباطن هذا..

وهكذا في كل شيء..

لماذا جاش في ذهني ذلك المعني في اشبيلية؟

إن من مدن الأندلس ما هو عربي خالص ليس للنصاري فيه شيء.. أما اشبيلية فقد بقي قصرها الكبير.. وأما مسجدها فقد هدم إلا مأذنته .. وبني مكانه كنيسة ضخمة..

وبين المساجد و الكنائس تري نوعي الجمال هذين..

فقد نشأت المساجد لتمثل مركز الحياة الإسلامية .. فهفت إليها قلوب المسلمين.. من فرط ما حوته المساجد من جمال الباطن.. ذلك الجمال النفسي الناشيء عن اتصال الإنسان بالخالق الذي اتصف بصفات الجمال و الكمال و الجلال.. وهذا الجمال الذي يعرفة الإنسان في حلق العلم حيث يأنس بفتوح المعارف الربانية..
في تلك المساجد اجتمع المسلمون يحتفلون بالنصر.. ويصلّون الأعياد.. ويجأرون إلي الله عند الجدب.. و يأوبوا إلي ربهم و يسلموا له عند الهزائم..
لذلك كان المسجد جميلا في عيون المسلمين..
فما من شيء كان أحب إلي أجدادنا من الصحب الكرام من أن يأنسوا إلي رسول الله في مسجد المدينة النبوية المشرّفة.. وما ذاك المسجد إلا ساحة يظللها زعف النخيل..
فلما أراد المسلمون أن يكسوا مساجدهم بجمال الظاهر.. كان تبعا لذلك الجمال الباطن.. فنظروا فيم يحتاجونه في المسجد.. فرأوا حاجتهم إلي المنبر إذ عليه تخطب الجمع و تعظم شعائر الدين.. فعظّموه و رفعوه و بالغوا في بناءه و ارتفاعه وزخرفه.. واحتاجوا إلي الميضئة فبنوها و جمّلوها و وضعوا فيها الماء الجاري.. واحتاجوا إلي الساحات المفتوحة فقسموا المسجد إلي صحن مفتوح و مُصلّي مغلق كي ينفعهم هذا في أوقات لحر.. و يقيهم ذاك من برد الشتاء..
واحتاجوا إلي الآذان .. فبنوا المآذن و رفعوها وزخرفوها ..
وهكذا كان جمال الظاهر الذي يأسر العيون .. تبع لجمال الباطن الذي يأسر القلوب والألباب..
أما في حال الكنائس فالأمر مختلف..
فكنائس أوروبا الشاهقة التي بنيت في القرون السادس عشر و السابع عشر و الثامن عشر إنما بنيت في وقت كان الناس قد انصرفوا عن الكنائس و كانت الكنيسة تتحكم في سائر أحوال الناس الدينية و المدنية و الإجتماعية و الإقتصادية.. فلما رأي الرهبان هذا الإنصراف بالغوا في تزيين الكنائس بأنواع الزينة و الألوان والمنحوتات حتي يجذبوا إليها قلوب الأوروبيين..
فأرادوا أن يجعلوا جمال الباطن .. تبع لجمال الظاهر..

وإنك تحس هذا اذا تأملت في آثار المسلمين و النصاري في أشبيلية.. الكنائس تأسر الأبصار بارتفاعها الشاهة و الذهب الموجود في كل مكان فيها.. والمساجد والقصور الإسلامية تأسر العيون أيضا ولكنها تأسر القلب و العقل..
فالكنائس فيها جمال ابهار.. و المساجد فيها جمال اعتبار..
والله لقد أحسست بما أقول... وأحسست أن الجميع يحس بما أقول حتي من الأسبان و إن لم يعبّروا عنه كما عبرت..

زادنا الله جمالا..

المسار..



أنا الآن في الطريق من مدريد إلي اشبيلية في الجنوب..

شاء القدر أن أسلك طريقا يختلف عن ذاك الطريق الذي سلكه أجدادنا إلي هذي البلاد..

فقد بدأ الطريق إلي الأندلس في عام 91 من هجرة النبي حيث قام الأمير موسي بن نصير بإرسال سرية لتستكشف الأندلس كان يقودها قائد مقدام هو طريف بن مالك.. فنزل في إحدي الجزر الصغيرة قرب الساحل الأندلسي فكان أول مسلم تطأ قدمه أرض الأندلس.. وقد بقيت هذه الجزيرة إلي الآن تحمل اسم طريف بن مالك..فتسمي بالأسبانية tarif
ثم انطلقت كتائب الفتح علي يد القائد العظيم طارق بن زياد من الجنوب أيضا من طنجة في المغرب إلي الجزيرة الخضراء في جنوبي أسبانيا (والتي لا تزال تحمل اسما عربيا ..فتسمي الآن بالأسبانية: الجزيراس Algeciras).. ثم انطلق الفتح إلي الشمال..

أما أنا.. فقد جئت من أمستردام إلي مدريد و هبطت جنوبا.. فلم أسلك مسلك الفتح.. ولكن سلكت مسلك التراجع والإنهزام الذي بدأ من الممالك المسيحية في الشمال ثم هبط جنوبا.. وأنا أري أن هذا المسار –مسار الهزيمة لا مسار الفتح – أليق بمن هو في مثل حالي و حال أمتي..

وتأملت في فكرة المسار.. وكيف ننظر إلي الطريق الذي يوصلنا إلي الغاية.. واضطربت في نفسي بعض الخواطر التي ربما لا يجمع بينها جامع إلا أنها تدور حول فكرة المسار..

(1)
تذكرت حلم المسلمين الأوائل من أبي أمية بعد فتح الأندلس أن يحققوا نبوءة رسول الله فيفتحوا القسطنطينية.. وحلموا أن يأخذو المسار من الغرب إلي الشرق.. ففتحوا الأندلس (اسبانيا و البرتغال) ثم فتحوا جنوب فرنسا .. ووصلوا إلي 80 كيلومتر جنوبي باريس .. وجاءت معركة بلاط الشهداء (أو بواتييه) لتنهي هذا الحلم.. فقد جمعت أوروبا جحافلها خلف شارل مارتل.. وقاد المسلمين عبد الرحمن الغافقي في معركة لو كُتب للمسلمين النصر فيها لما وقف أمامهم في أوروبا شيء.. ولفتحوا أوروبا بيسر حتي القسطنطينية..

وانكسر علي صخرة بواتييه حلم ذلك المسار..

وتذكرت أيضا حلم العثمانيين الذين بزغت شمس دولتهم عند غروب شمس دولة الإسلام في الأندلس.. فحلم سلاطين العثمانيين بمسار آخر.. إلي الأندلس ليحرروها.. وقد اختاروا مسارا من الشرق إلي الغرب هذه المرة.. فكان أن فتحوا تركيا و أجزاء كبيرة من يوجوسلافيا ورومانيا و اليونان والنمسا.. ثم حاصروا فيينا بقيادة السلطان الخالد سليمان القانوني.. ولكنهم لم يستطيعوا فتحها..

وانكسر في فيينا حلم هذا المسار كذلك..

في كلا المسارين رام المسلمون طريقا صعبا و طويلا.. حلموا في كلا الحالين أن ينشروا الإسلام في أوروبا كلها.. كان حلما كبيرا وصعبا.. أو مسارا طويلا و شاقا.. لم يتحقق.. ولكن تحقق جزء منه هو عظيم حتي وإن لم يكن هو الحلم كله.. وكذلك مساراتنا في الحياة.. كلما أردنا أن نقطع الطرق الطويلة و الشاقة ..ربما لا نقطعها إلي النهاية.. ولكن الجزء من المسار الطويل.. طويل أيضا
أما إذا أردنا من البداية أن نطرق طرقا قصيرة و سهلة.. فستظل انجازاتنا عادية..

(2)
الشريعة في لغة العرب هي الطريقة التي توصل إلي الماء.. فهي مسار النجاة في الصحراء القاحلة إذ تقودك إلي الماء.. وقد اصطلح العرب علي كلمة شريعة لما جاء عن النبي صلي الله عليه وسلم من أحكام الإسلام الإعتقادية و العملية .. ولابد من علاقة ما بين المعني اللغوي والمدلول الإصطلاحي للكلمة.. وكأن الله قد خط لنا مسارا في هذه الحياة وأراد منا أن نتبعه.. حتي نصل إلي الغاية .. والتي هي سعادة الدنيا و سعادة الآخرة

(3)
خاطرة أخري.. أن صلاح الغايات لا يكفي دون صلاح المسارات.. وأن الله كما تعبّدنا بالغايات.. فقد تعبدنا بالمسارات التي توصل لها..

(4)
كم من دماء المسلمين سالت علي هذه الأرض.. إن كل نبتة في هذا مسار الأندلس من الشمال إلي الجنوب قد روت من دماء شهيد فارس من أجدادنا.. حتي لكأني بالتراب الأحمر الذي يغطي أرض الأندلس إنما احمرّ من كثرة ما رُوّي من الدماء..
لقد بذلوا في ذلك الطريق.. الذي شاخ فيه نوح.. وقُتل فيه يحيي.. وألقي فيه في النار إبراهيم.. وسُجن فيه يوسف.. و أوذي فيه سيد الخلق.. صلي الله عليه وسلم..

Thursday, December 3, 2009

في المتحف




أنا الآن في الفندق في أمستردام.. وصوت زخات المطر علي زجاج النوافذ هو أهم ما يميز غرفتي هذه

لم يكن في الليلة الماضية شيء مهم إلا زيارة متحف ال masterpieces

وهو متحف يعرض أهم القطع الفنية لهولندا في القرن السابع عشر و الثامن عشر.. وهي فترة كانت فيها المملكة الهولندية من أقوي الممالك في أوروبا و كان لها باع كبير في التجارة الدولية خاصة في بلاد المشرق و أندونيسيا

عموما.. لفت نظري في المتحف أمور ثلاثة:

أولا:
الصراع الأوروبي الرهيب في القرون السادس والسابع والثامن عشر.. فكل الممالك الأوروبية وقع بينها حروب طاحنة لم تتوقف.. غارات و حروب وقطع طريق علي السفن.. وجلّ الأعمال الفنية تبرز إنتصارا من دولة أوروبية علي أخري..قراءة الواقع الأوروبي في ضوء التاريخ أمر من الأهمية بمكان.. كيف انتقلت أوروبا هذه النقلة.. وما تأثيرات الثورة الفرنسية علي بقية أوروبا..

المهم.. اكتشفت أني جاهل في تاريخ أوروبا و أحتاج للإطلاع

ثانيا:

التعصب الديني بين الطوائف المسيحية.. فكثير من الأعمال الفنية أيضا كان يمثل اعتداءات من فرقة مسيحية علي كنائس الأخري في هولندا..

ثالثا:
الجنس..
والجنس فس هولندا أمر يطول الحديث فيه
بالنسبة للمتحف .. فإنك لا تجد ثلاثة صور إلا و في أحدها رسم لإمرأة عارية..
وبالنسبة لأمستردام عموما فإن فيها حيّا يسمي المنطقة الحمراء.. وهو سوق كبير.. تمشي فيه و تشتري امرأة لليلة واحدة.. والنساء معروضات في الفترينات تماما كالبضائع..

أنا لم أزره قطعا والحمد لله.. ولكنه أكثر ما تسمع عنه وأنت في أمستردام.. يأتي إليه الناس من كل أقطار الدنيا

وهناك متحف آخر عن تاريخ العلاقات الجنسية.. وأشياء من هذا القبيل

ناهيك عن المشاهد المخلّة في شوارع أمستردام..

وشاهدت و أنا أمرّ في الشارع كذلك إعلانا عن معرض للصور .. يريد أن يصوّر حياة المثليين في تركيا.. وكيف يعيشون..

لا أدري لماذا كل هذا التركيز علي الجنس فس كل مكان.. أظن أن هذه البلاد قد شبعت من هذه الأمور.. فلا أدري لماذا ظلت عقدة الجنس تشكل حيزا كبيرا من الوعي العام في هذه البلاد

المهم.. لا أظن أن هولندا مستقر جيد للعزاب..

أنا الآن ذاهب إلي المطار لتبدأ الرحلة.. إلي الأندلس